السيد كمال الحيدري
256
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
ولكي نقف على أهمّية هذه المسألة الأساسية في الفكر البشري لابدَّ أن نستذكر ما أشرنا إليه سابقاً من أن المنطق الأرسطي حاول أن يعالج كلّ واحدة من المشاكل الثلاث التي يواجهها الدليل الاستقرائي لتبرير الطفرة التي يستبطنها الاستقراء الناقص من الخاصّ إلى العامّ ، وذلك من خلال افتراض قضية عقلية قبلية . فمشكلة احتمال الصدفة المطلقة تغلّب عليها بافتراض مبدأ السببية ، ومشكلة احتمال الصدفة النسبية تغلّب عليها بافتراض المبدأ الذي ينفي تكرّر الصدفة السببية على خطّ طويل ، ومشكلة احتمال التغيّر وعدم الاطّراد تغلّب عليها بافتراض قضية مستنبطة من مبدأ السببية تقول : إن الحالات المتماثلة تؤدّي إلى نتائج متماثلة . وعرفنا أيضاً أن المنطق الأرسطي لم يعالج على الصعيد المنطقي إلا المشكلة الثانية من هذه المشاكل الثلاث ، وتقدّم الكلام عن ذلك تفصيلًا ، وأما المشكلة الأولى والثالثة فقد عولجتا فلسفياً على صعيد الفلسفة العقلية التي يؤمن بها المنطق الأرسطي . فبالنسبة إلى المشكلة الأولى تؤمن الفلسفة بمبدأ السببية القائل : إن لكلّ حادثة سبباً ، وتعتقد أنه من المبادئ العقلية المستقلّة عن التجربة والخبرة الحسّية ، وعن طريق هذا المبدأ تتغلّب على المشكلة الأولى وتثبت أن الظاهرة الطبيعية المدروسة خلال الاستقراء لابدَّ أن تكون مرتبطة بسبب . وبالنسبة إلى المشكلة الثالثة تؤمن الفلسفة العقلية بالقضية القائلة : إن الحالات المتشابهة من الطبيعة تؤدّي إلى نتائج متماثلة ، وتعتقد أن هذه القضية عقلية مستقلّة عن التجربة ومستنبطة بطريقة برهانية عن مبدأ